صديق الحسيني القنوجي البخاري
133
فتح البيان في مقاصد القرآن
ذلِكَ إشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله لا تجعل مع اللّه إلى هذه الغاية مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ أي من جنسه أو بعض منه ، وذكر هنا في ثمان عشرة آية أولها لا تجعل ، وذكر في التوراة في عشر آيات مِنَ الْحِكْمَةِ سمي حكمة لأنه كلام محكم وهو ما علمه من الشرائع أو من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخ والفساد وعند الحكماء إن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير للعمل به ، قاله البيضاوي فالتوحيد من القسم الأول وباقي التكاليف من القسم الثاني . وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ كرر سبحانه النهي عن الشرك تأكيدا وتقريرا وتنبيها على أنه رأس خصال الدين وعمدته ومبتدأ الأمر ومنتهاه ، وعلى أنه ملاك الحكمة وأسها . قيل وقد راعى سبحانه في هذا التأكيد دقيقة فرتب على الأول كونه مذموما مخذولا ، وذلك إشارة إلى حال الشرك في الدنيا ؛ ورتب على الثاني ما هو نتيجة في العقبى فقال فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً تلوم نفسك مَدْحُوراً مبعدا من رحمة اللّه مطرودا وفي القعود هناك والإلقاء هنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة . أَ فَأَصْفاكُمْ أي خصكم ، قاله أبو عبيدة ، وقال الفضل : أخلصكم رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً أي بنات ، والخطاب للكافر القائلين بأن الملائكة بنات اللّه ، وفيه توبيخ شديد وتقريع بالغ لما كان يقوله هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل ، والفاء للعطف على مقدر كنظائره مما قد كررناه . إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً بالغا في العظم والجرأة على اللّه إلى مكان لا يقادر قدره بإضافة الأولاد إليه ، وهي خاصة بعض الأجسام لسرعة زوالها ، ثم بتفضيل أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون ، ثم يجعل الملائكة الذين هم أشرف الخلق أدونهم . وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ أي بيّنا أو كررنا ضروب القول فيه من الأمثال والعبر والحكم والحجج والمواعظ والقصص والأخبار والأوامر والنواهي وغيرها . وقيل في زائدة والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن ، والتصريف في الأصل صرف الشيء من جهة إلى جهة والتشديد فيه للتكثير والتكرير ، وقيل معنى التصريف المغايرة ؛ أي غايرنا بين المواعظ : ثم علّل سبحانه ذلك فقال لِيَذَّكَّرُوا أي ليتعظوا ويعتبروا ويتدبروا بعقولهم ويتفكروا فيه حتى يقفوا على بطلان ما يقولونه وَ الحال أن هذا التصريف والتذكير ما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً أي تباعدا عن الحق وغفلة عن النظر في الصواب لأنهم قد اعتقدوا في